عبد الرحمن بدوي
210
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أحمد : بالحق قالت الأطباء إن الحياة بالرطوبة ، والموت باليبس ، لأنه متى ما وجد فينا الجزء الرطب معتدلا فإنه يستحيل من النفس مفارقة الجسد كما قد أخبر به الفيلسوف . إلّا أنى أقول إن فراق النفس الجسد بغلبة الرطوبة . بلى ! قد يكون ذلك إذا غلب حتى يسدّ المسامّ ويغلب على الأضداد فتقبل النفس منها في أوان مجاذبتها لأضدادها واشتغالها عن الضبط . قال أفلاطون : فلما ارتبطت بالجسم السّيّال وعسر عليها المفارقة حدث التجبّل . قال أحمد : إن الأنفس لما مكثت مداخلة الطبيعة بطلت مفارقتها وتشبثت الطبيعة بها - حدث عن ذلك بهذه المجاذبات الحيوان . قال أفلاطون : وكان التجبّل حينئذ ؛ وإن كانت النفس المخالطة تجرى على غير سداد لتكامل فساد الطبيعة . قال أحمد : يقول إن الحيوان الذي تجبل قبل لم يثبت إلّا القليل ، إذ كان فساد الطبيعة لا يكاد يقيمه ، ولأن البنية لم تكن على سداد . قال أفلاطون : وكان من هيئة التجبّل أن تكون في أجسام مستديرة مأخوذة شكلها من الشئ السريع الحركة المشتاق بعضه إلى بعض . قال أحمد : إن فيما يزعم الأوائل أن التجبل كان في البدء أجراما مستديرة فكانت لا تكاد تثبت لعدمها المثبتة لها كالأعضاء المغذية والمنفّسة . أعنى بالسريع الحركة « 1 » الفلك ، والمشتاق بعضه إلى بعض ، فهو قول مجاز مشهور في اليونانيين : تصوروا في أوهامهم أن « 2 » الفلك إنما سرعته في الدوران لطلب الجزء منه ما يليه فالكل طالب لا يدرك ، وذلك كثير في كلام الشعراء . قال أوميرس الشاعر : « طلبتك طلب الأفق للأفق » - يعنى به أفق السماء .
--> ( 1 ) ص : الحوى - وهو تحريف واضح . ( 2 ) ص : إلى .